السيد كمال الحيدري
114
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)
وأنّ معرفة الله تعالى مستحيلة وغير ممكنة اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجِد للإنسان في عالم الإمكان نماذج من مخلوقاته تكون مظاهر لأسمائه المباركة ، فيوجِدُ الله تعالى نماذج لكي تكون مظهرا وتجلّياً لقدرته وعلمه ونحوها من أسمائه وصفاته المباركة ؛ لأجل أن يتمكّن الإنسان من الارتباط بالله تعالى من خلالها هذه النماذج المخلوقة ، وقد اصطلح عليها القرآن الكريم ب « الآيات » . فأينما وجدت صفة من صفات الكمال سواء على مستوى الموجودات المجرّدة أم على مستوى الموجودات المادّية ، فإنّ خالقها ومبدعها يكون واجداً لتلك الكمالات بنحو أعلى وأشرف ، لذا قال تعالى : وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى « 1 » ، إذ لو لم يكن معطى هذه الكمالات بنحو أعلى وأشرف لا يكون معطياً ، لأنّ فاقد الشئ لا يعطيه . وكذلك لو فرض معطى الكمالات مساوياً لكمالات المعطى ، فلا يعدّ المعطى معطياً ، إذ لا مرجّح لكونه هو المعطى دون الآخر المساوى له ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح . ومن هنا يتّضح أنّ طريق معرفة الله تعالى والارتباط به تنحصر بالآيات والعلامات ، وبتعبير القرآن : بالتجليات في مخلوقاته . لأجل بيان مسألة التجلّى والظهور يمكن الاستعانة بمثال المرآة ، فإنّ الصورة التي تظهر في المرآة هي آية وعلامة دالّة على صاحبها ، وليس الصورة التي في المرآة هي عين الوجود الخارجي لصاحب الصورة . وهذه الحقيقة قرّرها الإمام الرضا عليه السلام « 2 » في حواره مع عمران
--> ( 1 ) الروم : 27 . ( 2 ) هذا الحوار كان في مجلس المأمون العباسي الذي جمع رموز الفكر من مختلف النحل من / / النصارى واليهود والصابئة والزرداشتية وغيرهم من الشخصيات العلمية من الروم ، يبتغى من وراء ذلك النيل من شخصية الإمام الرضا عليه السلام عند المسلمين ، ظناً من المأمون بعجز الإمام عليه السلام ما يؤدّى إلى إضعاف حجّته وهيبته ، إلا أنّه عليه السلام أجاب عن جميع أسئلة الحاضرين على الرغم مما استخدموه من جدل وصناعة إعلامية .